الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

145

تفسير روح البيان

اى يخزيهما بانكشاف عورتهما عند الملائكة وكان قد علم أن لهما سوءة بقراءته كتب الملائكة ولم يكن آدم يعلم ذلك وفي كون الانكشاف غرضا لإبليس دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع ولم يقع نظر على رضى اللّه عنه إلى عورته حذرا من أن يراها بالعين التي يرى بها جمال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإذا كان النظر إلى سوءته بهذه المرتبة فما ظنك بالنظر إلى سوءة الغير وما أشد قبح كشف العورة قالت عائشة رضى اللّه عنها ما رأى منى ولا رأيت منه إلى العورة ما وُورِيَ عَنْهُما اى الذي سترعنهما وهو مجهول وارى مِنْ سَوْآتِهِما اى عورتها وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر لأنهما قد البسا ثوبا يستر عورتهما . والسوآت جمع السوءة والتعبير بلفظ الجمع عن اثنين لكراهة اجتماع لفظي التثنية ويحتمل ان يكون الجمع على أصل وضعه باعتبار ان كل عورة هي الدبر والفرج وذلك أربعة فهي جمع وسميت العورة سوءة لأنه يسوء الإنسان انكشافها وَقالَ عطف على وسوس بيانا وتفصيلا لكيفية وسوسته ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ اى عن أكلها لامر ما إِلَّا كراهة أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ اى كالملائكة في لطافة البنية والاستغناء عن التغذي بالأطعمة والأشربة ونحوهما وفضل الملائكة من بعض الوجوه لا يدل على فضلهم على الأنبياء مطلقا لجواز ان يكون لنوع البشر فضائل اخر راجحة على ما للملك فليس المراد انقلاب حقيقتهما البشرية إلى الحقيقة الملكية فإنه محال قال سعدى المفتى فيه بحث إذ لا مانع منه عند الأشاعرة لتجانس الأجسام انتهى واعلم أن اللّه تعالى باين بين الملائكة والجن والانس في الصورة والاشكال فمن حصل على بنية الإنسان ظاهرا وباطنا فهو انسان فلو قلب الإنسان إلى بنية الملك لخرج بذلك عن كونه إنسانا لكن الملك والشيطان لا يخرجان بالتشكلات الظاهرية المختلفة عن حقيقتهما أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ الذين لا يموتون ويخلدون في الجنة وَقاسَمَهُما اى اقسم لهما . فالقسم انما وقع من إبليس فقط الا انه عبر عن اقسامه بزنة المفاعلة للدلالة على أنه اجتهد في القسم اجتهاد المقاسم وهو الذي حلف في مقابله حلف شخص آخر إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فيما أقول والنصح بذل المجهود في طلب الخير في حق غيره فَدَلَّاهُما فنزلهما إلى الاكل من الشجرة وحطهما من المرتبة العالية وهي مرتبة الطاعة إلى المنزلة السافلة وهي الحالة المغضبة والتدلية إرسال الشيء من الأعلى إلى الأسفل كارسال الدلو في البئر بِغُرُورٍ اى بسبب تغريره إياهما باليمين باللّه كاذبا وكان اللعين أول من حلف باللّه كاذبا وظن آدم ان أحدا لا يحلف باللّه كاذبا فاغتربه فان شأن المؤمن ان يعتقد بصدق من حلف باللّه لتمكن عظمة اسم اللّه تعالى في قلبه وكان بعض العلماء يقول من خادعنا باللّه خدعنا وفي الحديث ( المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم ) فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما اى فلما وجدا طعمها آخذين في الاكل منها أخذهما العقوبة وشؤم المعصية فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما فاستحييا وفي الاخبار ان غيرهما لم ير عورتهما قيل كان لباسهما في الجنة ظفرا في أشد اللطافة واللين والبياض يكون حاجبا من النظر إلى أصل البدن